ابن سبعين
449
رسائل ابن سبعين
جائزة بخلاف الجمعة . وكذلك أجمعوا أن القراءة في هذه الصلاة سر ، وأنها مقصورة إذا كان الإمام مسافرا . واختلفوا إذا كان الإمام مكيّا هل يقصر بمنى الصلاة يوم التروية ، وبعرفة يوم عرفات ، وبالمزدلفة ، أو كان من أحد هذه المواضع ، فقال مالك والأوزاعي وجماعة : سنة ذلك الموضع التقصير ، سواء كان من أهلها ، أو لم يكن من أهلها ، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود : لا يجوز أن يقصر من كان من أهل تلك المواضع ، وحجة مالك أنه لم يرو أن أحدا أتم الصلاة معه صلّى اللّه عليه وسلّم أعني : بعد سلامه منها ، وحجة الفريق الثاني البقاء على الأصل المعروف أن القصر لا يجوز إلا للمسافر حتى يدل الدليل على التخصيص . واختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى ، فقال مالك : لا تجب الجمعة بعرفة ولا بمنى أيام الحج لأهل مكة ، ولا لغيرهم ، إلا أن يكون هنالك من أهل عرفة ، وقال الشافعي مثل ذلك ، إلا أنه اشترط في وجوب الجمعة بها أن يكون هناك أربعون رجلا على مذهبه في اشتراط العدد في الجمعة ، وقال أبو حنيفة : إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيها الجمعة إذا صادفها ، وقال أحمد : إذا كان والي مكة يجمع بهم ، وبه قال أبو ثور ، وأما شرطه فهو الوقوف بعرفة بعد الصلاة ، وذلك أنه لم يختلف العلماء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما صلى الظهر والعصر بعرفة ارتفع فوقف بجبالها داعيا إلى اللّه عزّ وجلّ ، ووقف معه كل من حضر إلى غروب الشمس . وأنه لما استيقن غروبها وبان ذلك له دفع منها إلى المزدلفة ، ولا خلاف بينهم أن هذا هو سنة الوقوف بعرفة ، وأجمعوا على أن من وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال لم يعتد بوقوفه ، وأنه إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج . وروي عن عبد اللّه بن معمر الديلي قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الحج عرفة » « 1 » . فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ، وهو حديث انفرد به هذا الرجل من الصحابة ، إلا أنه مجمع عليه ، واختلفوا فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ، ثم دفع منها قبل غروب الشمس ، فقال مالك : عليه حج قابل ، إلا أن يدفع قبل الفجر ، وإن دفع منها قبل
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .